الشيخ محمد هادي معرفة
336
تلخيص التمهيد
قسما الإيجاز والإيجاز إمّا بظاهرالحذف ، في حرف أو كلمة أو جملة . . . ممّا يتنبّهُ له اللبيبُ من غير كبير كلفة ، لدلالة فحوى الكلام عليه . أو غير محذوف الظاهر ، سوى أنّه من قليل اللفظ كثير المعنى . ويسمّى إيجاز القصر . قال ابن الأثير : والتنبّه لمواضع القصر فيه عسر جدّاً ، يحتاج إلى فضل تأمّل وطول تدبّر ، لخفاء ما يستدلّ عليه . ولا يستنبطه إلّامن رَسَت قدمه في ممارسة هذا العلم ( البيان ) وصار له خليقة وملكة « 1 » . إيجاز حذف قال ابن الأثير : أمّا الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر شبيه بالسحر ، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتمّ ما تكون مبيّناً إذا لم تبيّن . وهذه جملة تُنكرها حتّى تَخبُر ، وتدفعُها حتّى تَنظُر « 2 » . ومن شرط حسنه ، بل من لزوم حكم البلاغة فيه ، أنّه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غثّ ، لا يناسب ما كان عليه أولًا من الطلاوة والجمال . وقد أكثر القرآن منه وأجاد فيه بما أثار الإعجاب ، وأبان سرّاً من أسرار الإعجاز . القرآن لا يقف عند حدّ اجتناب الحشو والفضول من الكلام ، وانتقاء الألفاظ والكلمات التامّة الانطباق بالمعنى المراد . بل إنّه كثيراً ما يسلك في الإيجاز سبيلًا أعزّ وأعجب تراه يعمد - بعد حذف فضول الكلام وزوائده - إلى حذف شيء من أصوله وأركانه التي لا يتمّ الكلام في العادة إلّابه ، ولا يستقيم المعنى بدونه ، وفي نفس الوقت يستثمر من تلك البقية الباقية ما يؤدّي المعنى كاملًا ، في وضوح وطلاوة وعذوبه ، حتى يُخيَّل إليك من سهولة المسلك أنّ
--> ( 1 ) . المصدر : ص 275 - 276 . ( 2 ) . المصدر : ص 279 .